أبي منصور الماتريدي

560

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والاختراع من ذات نفسه ، فأخبر أن اليتيم والفقير ليس يبلغ في العلم والمعرفة المبلغ الذي يقدر على الاختراع وإنشاء الشيء من نفسه على وجه يعجز عن مثله جميع الخلق ؛ لما لا يجد ما ينفق في ذلك ، ويتحمل من المؤن حتى يبلغ مبلغ الاختراع ، وكذلك ما ذكر حيث قال : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ . . . الآية [ العنكبوت : 48 ] ؛ لأنهم قالوا : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل : 103 ] ، والبشر إنما يتعلمون بالكتابة والخط ، فإذا لم يكن لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - شيء من ذلك ؛ دلّ أنه بالله - تعالى - عرف وحده . وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، أي : وجدك يتيما فآواك . ثم يحتمل قوله : فَآوى وجوها : أحدها : وجدك يتيما فآواك إلى [ عمك حتى رباك ] « 1 » ودفع عنك كل أذى وآفة ، وساق إليك كل خير وبر ، إلى أن بلغت المبلغ الذي بلغت . والثاني : يقول : قد وجدك يتيما فآواك إلى عدو من أعدائك حتى تولى تربيتك وبرك ، وعطف عليك ، وتولى عنك دفع المكروه والأذى ، يذكر منته وعظيم نعمه عليه أنه كان ما ذكر ، ثم صير عدوا من أعدائه أشفق الناس عليه وأعطف ، والله أعلم . والثالث : قد وجدك يتيما فآواك إلى نفسه ، وعطف عليك حتى اختصك واصطفاك للرسالة والنبوة ؛ حتى صرت مذكورا في الدنيا والآخرة ، وحتى أحوج جميع الناس إليك ، وليس ذلك من أمر اليتيم أنه يبلغ شأنه وأمره إلى ما بلغ من أمرك وشأنك حتى صرت مخصوصا من بين الناس جميعا ، فيما ذكرنا من اختصاصه إياك بالرسالة ، وأحوج جميع الناس إليك ؛ يذكر عظيم مننه ونعمه عليه . وقوله - عزّ وجل - : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى هذا يخرج على وجوه : أحدها : يقول - والله أعلم - : لولا أن الله تعالى هداك لدينه ، ووفقك له ، وإلا وجدك ضالا ؛ إذ كان نشوؤه بين قوم ضلال ، لم يكن أحد يهديه ويدعوه إلى الله تعالى ، ولكنه هداك وأرشدك ، فلم يجدك ضالا ، وهو كقوله - تعالى - : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها . . . [ آل عمران : 103 ] ، أي : لولا أنه أنقذكم منها ، وإلا صرتم على شفا حفرة من النار لو لم ينقذكم منها ، وكقوله : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [ الإسراء : 74 ] ؛ لأن البشر أنشئ وطبع على الركون والميل إلى النعم العاجلة ،

--> ( 1 ) في ب : ملك حتى رآك .